الثلاثاء، 21 ديسمبر، 2010

من لطائف مجلس البخارى: صحة البدايات مؤذنة بصحة النهايات

هذه القاعدة من القواعد السلوكية المهمة التى ينبغى أن يعتنى به كل مقبل على طريق الله تعالى : صحة البدايات مؤذنة بصحة النهايات.
ومن ثم فلا بد من العناية بتصحيح البداية بالتوبة الصادقة والعمل بالشريعة ... ومتى صحت البداية صحت بإذن الله تعالى النهاية.
وهذه القاعدة تقع كثيرا فى كلام شيوخ الطريق بعبارات شتى والمعنى واحد.
وقد وجدت لها أصلا فى الحديث الثالث من صحيح البخارى وفيه بعد أن نزل الوحى عليه صلى الله عليه وسلم بغراء حراء : "فدخل صلى الله عليه وسلم على خديجة بنت خويلد رضى الله عنها فقال: زملونى زملونى ، فزملوه حتى ذهب عنه الروع فقال لخديجة وأخبرها الخبر: لقد خشيت على نفسى، فقالت خديجة : كلا والله ما يخزيك الله أبدا ؛ إنك لتصل الرحم وتحمل الكل وتكسب المعدوم وتقرى الضيف وتعين على نوائب الحق ..."، فانظر إلى جوابها رضى الله تعالى عنها وأرضاها، وكيف استدلت على صحة النهاية بصحة البداية، وأن من صحت بدايته صحت نهايته، فمن فعل هذه الخصال الحميدة العالية لا يقع له ما يسوءه من الله أبدا.

الاثنين، 20 ديسمبر، 2010

لطيفة وقعت فى مجلس إقراء البخارى: الاستدلال على تأثير الأحوال الربانية على القوالب الإنسانية

أخرج البخارى فى الحديث الثانى من صحيحه عن السيدة عائشة رضى الله عنها أن الحارث بن هشام رضى الله عنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله كيف يأتيك الوحى ... الحديث وفيه : "قالت عائشة رضى الله عنها : ولقد رأيته ينزل عليه الوحى فى اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن لجبينه ليتفصد عرقا".
فقد تأثر قالبه صلى الله عليه وسلم الشريف من نزول الوحى الإلهى عليه، فقوالب أهل الله أولى - لضعفهم مقارنة به صلى الله عليه وسلم - بالتأثر بما يرد عليهم من أحوال ربانية، وإن كان لا وجه للمقارنة بين الوحى الإلهى والواردات الإلهية، حتى لا يفهم علينا أحد غلطا أنا نثبت للأولياء ما للأنبياء من الوحى.

لطيفة فى مجلس إقراء البخارى: بداية البخارى ببدء الوحى والإيمان قبل العلم

عادة يبدأ المتكلمون وأصحاب العقائد كلامهم أولا بالعلم وإثباته ومصدره والعقل ثم الكلام فى مباحث الإيمان، فموقفهم عقلى ابتداء. يثبتون العقل أولا ثم يثبتون أنه مصدر العلم، ثم يثبتون بالعلم الثابت بالعقل الإيمان بالله.
لكن الإمام البخارى بدأ بموقف نقلى ابتداء، الوحى أولا ثم الإيمان ثم العلم، الوحى مصدر الإيمان ، والإيمان مصدر العلم.
وهو موقف إسلامى أصيل نقط البدء فيه إلهية سماوية، شتان بينها وبين نقط البدء عند المتكلمين.
ومن جهة أخرى بينما تحول المتكلمون بالإيمان إلى مجردات ذهنية محضة، لا يصلح للخطاب بها إلا الفلاسفة وأصحاب المعقولات، وصار معتقدهم جافا عقلانيا ، احتفظت لنا السنة النبوية الشريفة - التى قدمها لنا الإمام البخارى - بروعة الإيمان وببشاشته التى تخالط القلوب .
نجد فى كتاب الإيمان من صحيح البخارى خطابا يصلح للكافة ودعوة كل الخلق إلى الحق، نجد إيمانا يمتد بأبعاده المتنوعة يسرى من القلب إلى اللسان إلى الجوارح، تجد إيمانا سهلا يسيرا يحث على العلم والعمل ، ويبعث فى الإنسان القيم العليا ، ولا يقتصر على مجردات ذهنية محضة .
اقرأ حديث "الإيمان بضع وستون شعبة والحياء شعبة من الإيمان"، لتستشف الإشارة فيه للعلاقة بين الإيمان والقيم الخلقية.
واقرأ الحديث الذى يليه "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده" لترى فيه أثر الإسلام فى السلوك الاجتماعى.
وبعده بحديث يأتى قوله صلى الله عليه وسلم :"لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه".
هذا هو الإيمان الذى أتى به سيدنا رسول الله صلى الله وعليه وسلم إيمانا يرسخ فى القلب ويسرى إلى الجوارح ويصبغ المجتمع ويوجه السلوك.
أين هذا الإيمان الحقيقى والرائع من الإيمان الذى قدمه لنا المتكلمون.

الأحد، 18 يوليو، 2010

أهمية قراءة الأدب العالمى:

7 شعبان 1431 هـ - 19/7/2010:
أصدرت الهيئة المصرية العامة للكتاب وفى إطار مهرجان القراءة للجميع ومكتبة الأسرة : الأعمال الأدبية الكاملة لأديب روسيا الكبير دوستويفسكى ، ترجمة الدكتور سامى الدروبى.
كنت قد قرأت أشياء يسيرة لهذا الأديب قديما، ولكنى سررت بالحصول على أعماله الكاملة، فالأعمال الكاملة تيسر للمهتم الاطلاع على مجمل أعمال الأديب أو المفكر دون عناء.
زففت إلى بعض أهل العلم هذا الخبر، فوجدت إعراضا منهم عن الكتاب، ووجدت من بعضهم عدم معرفة بأهمية قراءة الأدب عامة، وعدم معرفة بهذا الأديب خاصة.
وفى الحقيقة فإنى أرى أهمية كبيرة لقراءة الأدب المعاصر، ليس فقط على مستوى اللغوى للقارئ ، ولكن الأدب الجاد والمثمر مرآة لمجتمعه، ومن ثم فإن قراءة أدب أمثال نجيب محفوظ مثلا سيساعدك قطعا على فهم الشخصية المصرية، وسيوفر عليك سنوات طويلة من الرصد والمتابعة.
فأمة كبيرة مثل الأمة الروسية ينبغى لأهل العلم المتفتحين أن يقرأوه حتى يعرفوا ماذا يشكل وجدان هذه الأمة.
فالأدب كما أنه مرآة لمجتمعه فإن عنصر أساسى من عناصر تشكيل الوجدان العام لكل أمة، خاصة تلك الأمم القارئة والمثقفة.
إن الله تعالى قد حثنا على التواصل والتعارف مع غيرنا من الشعوب والأمم والقبائل فقال تعالى {وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا}.
فالإسلام يحث على التعارف ، وأفضل طرقه الآن هو الأدب الجاد والهادف.
إن الحضارة الإسلامية لم تعرف قط الانغلاق أو الانكفاء على الذات أو التوقف عن التواصل مع حضارات الاخرين وثقافاتهم.
سيمكنك من خلال أعمال أديب مثل دوستويفسكى عاش وأصدر أعماله فى أواخر الحقبة القيصرية أن ترى تصور الروس للمسلمين ونبى الإسلام وكرههم للأتراك العثمانيين، ستدرك شيئا من جذور مشكلة الشعوب الإسلامية فى هذه البلاد.
لقراءة الأدب عامة ونتاج كبار الأدباء خاصة فوائد جمة، ويمكن لأهل العلم أن يستغلوا كثيرا من الوقت الذى يكونون فيه مجهدين من الطلب والقراءة العلمية المتخصصة لكى يجموا أنفسهم بقراءة لطيفة ومثمرة فى الآداب العربية والعالمية لكى يكونوا إدراكا أفضل بالعالم من حولهم يساعدهم. وإدراك الواقع جزء من هام من عمل أهل العلم ودون إدراك صحيح للواقع لا يمكن الفتوى بصورة صحيحة.

من استحق النار فصولح بالرماد فقد استوجب الشكر عليه:

6 شعبان 1431 هـ - 18/7/2010:
هذه حكمة نطق بها عارف من أهل الله تذكرتها اليوم ، وقد صدمتنى سيارة ميكروباص أجرة من الخلف صدمة قوية عند مطلع كوبرى السيدة عائشة بالقاهرة، لم أقف ولم أنزل من السيارة ولم أنظر ماذا أصابها ، وإنما رأيت ذنوبى حاضرة بين عينى ، وقلت فى نفسى: "يا رب أسامحه وتسامحنى، وأسيبه وتسيب لى"، وتذكرت مقولة ذلك العارف الحكيم عندما سقط عليه رماد من سطح أحد المنازل ، فسُرّ وجعل يحمد الله تعالى وقال : " من استحق النار فصولح بالرماد فقد استوجب الشكر عليه "، وهكذا والله تعالى الحال بل أشد ، فمن كانت ذنوبه أكثر وأكثر استحق أن تنزل عليه المصائب تترى، فإذا نزلت مصيبة واحدة كان فى نعمة كبيرة تستوجب الشكر، كما تستوجب تلك الذنوب التوبة ، وقد قال تعالى {وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير} [الشورى 30]، فالحمد لله تعالى.
ومن العجب أننى لا أنزل من بيتى عادة إلا إذا قلت شيئا من أذكار الصباح والحفظ ، وحفظت نفسى ووالديى وأخوتى ومشايخى وكل من أحبنا وكان له بنا علقة ، وكل مسلم ومسلمة فى أنفسنا وعيالنا وأولادنا وأموالنا، فمنعنى الله منها اليوم، وعندما أخبرت الوالدة بما حدث ، قالت لى : سبحان الله ، أن أدعو الله لكم كل يوم بالحفظ بعد أن أصلى الفجر، فلم أدع اليوم. فقلت لها: إذا قضى الله أمرا كان مفعولا، قد كان بلاء نزل ولا بد ، فمنعنا الله من أن نأتى بما يمنع البلاء ويحفظنا منه حتى يمضى الله أمره ، فالحمد لله نرضى بما قضاه لنا ، ونضع رقابنا تحت سيف قضائه وقدره {فلما أسلما وتله للجبين}. فاللهم ارفع عنا البلاء ، والطف بنا فى قضائك وقدرك، وارزقنا الإنابة والتوبة الصادقة ، والتسليم.
ونسأل الله تعالى أن تتجاوز عنا فى كل ما كسبت أيدينا وقارفناه من أثم وذنوب ومعاص وغفلة، نسألك قربك ، وحبك ، ورضاك ، ولطفك ، ونسألك العفو والعافية فى الدنيا والآخرة.

أخوانية فى المحبة فى الله ، وفيها إشارة إلى شىء من مفهوم الزمان والمكان:

5 شعبان 1431 هـ - 17/7/2010:
أخ محب شاذلى: عجبا ثم عجبا للأحبة! إن تباعدوا ازدادوا قربا ، وإن تقاربوا ازدادوا حبا.
فأجبته : بل عجبا ثم عجبا للأحبة ، المكان واحد ، والزمان واحد ، والحضرة واحدة، فمن أين يكون البعد.
شرح: أهل المحبة فى الله هم من أهل الحضرة الإلهية ، والحضرة الإلهية حضرة واحدة منزهة عن المكان والزمان الزائلين بفناء الليل والنهار ، فالزمان والمكان الأرضيين ما هما إلا مجرد وحدة قياس بدورة نجم أو كوكب يفنى ، وليس هو كل الزمان ، ولا وحدته هى وحدة الزمان المطلق، وتأمل قوله تعالى {ثم يعرج إليه فى يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون} [السجدة 5] ، وقوله تعالى {تعرج الملائكة والروح إليه فى يوم كان مقدار خمسين ألف سنة} [المعارج 4]، وقوله تعالى {وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون} [الحج 47]. وقد لفظ {يوم} فى جميعها منكرا، فأفاد التنكير أنه مجرد يوم بقياس زمانى خاص به، وأنه قد توجد أيام بقياس آخر، وقد أرجعنا الله تعالى فى قياس تلك الأيام المذكورة إلى قياس مشهود لنا وندركه بمداركنا فتارة يكون ألف سنة مما نعد ، وتارة خمسين ألف.
أما الحضرة الإلهية فيومها هو يوم الخلود {ادخلوها بسلام ذلك يوم الخلود} [ق 34]، وإنما دخل أهل الحضرة الإلهية تلك الحضرةَ من يوم خلقهم فى عالم الذر {وإذ أخذ ربك من بنى آدم من ظهورهم ذريتهم} [الأعراف 172]، فهم فيها منعمون ، مخلدون، ما يجرى عليهم من انتقالات بين الحيوات المختلفة دينا وبرزخ وأخرى فهى نسب وإضافات لم تغير من حقيقة خلودهم فى الحضرة الإلهية حيث الزمان والمكان واحد ، والتنوع والاختلاف إنما هو بالنسب والإضافات ، ومن دخل الحضرة الإلهية وكان من أهلها الذين هم أهلها ، ذاق ذلك المعنى المشار إليه ، وعلم ألا بعد ولا قرب بالزمان ولا بالمكان فى الحقيقة لأهل الحضرة الإلهية، فرب بعيد بالنسبة أو الإضافة قريب بالحضرة ، ورب من يأتى بالنسبة إلى الزمان أو المكان بعيدا ومتأخرا من سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم مثلا ، ولكنه فى الحضرة الإلهية من أهل القرب منه صلى الله عليه وسلم بحيث لو نظر الناظر المطلع على تأخره بالنسبة للزمان الذى نعده ثم اطلع على قربه فى الحضرة لتعجب من قرب رغم التأخر ، وتأمل فى قوله صلى الله عليه وسلم : "أنا وكافل اليتيم كهاتين" ، وأشار بأصبعيه السبابة والتى تليها.
ولهذا لا يبكى أهل الحضرة على فوات إدراك زمن نبى أو ولى فى حياة كالحياة الدنيا ، لأنه إنما هو فوت بالنسبة أو بالإضافة لا غير ، وهو مدركون لهم بالحقيقة الباقية فى الحضرة الإلهية منعمون معهم فيها.
ولا يرفع هذا شرف النسبة والإضافة ، ولا ما رتب الله تعالى عليه من تكليف وأحكام وشريعة، وإنما نجرى مع الله تعالى كيف أجرانا فحيث جعلنا فى عالم الإطلاق كنا ، وحيث جعلنا فى عالم التقييد والنسب والإضافات كنا، لا حول لنا ، ولا قوة لنا ، فلا حول ولا قوة إلا بالله .
ملاحظة باسمة : قولنا (أخوانية) يعنى من أدب الأخوانيات ، وهو نوع من الأدب العربى، وليس نسبة إلى جماعة (الأخوان المسلمون) تلك الجماعة التى ولله الحمد ليس لنا بها أى علاقة لا من قريب ولا من بعيد بأى قياس للزمان والمكان.

الجمعة، 16 يوليو، 2010

الصدق ملازمة أوصافك :

4 شعبان 1431 هـ - 16/7/2010:
"الصدق ملازمة أوصافك" ، هذه حكمة عميقة لسيدى أبى الحسن الشاذلى رضى الله عنه، نقلها عنه ابن عياد الشافعى رحمه الله فى كتابه المفاخر العلية، ضمن كلام طويل لسيدى أبى الحسن (ص 61- 62، ط القاهرة، مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده، 1381هـ/1961م).
استوقفتنى العبارة أو الحكمة لعمقها ، ولكونها لا تقدم مفهوما سلوكيا وصوفيا نظريا للصدق، بل تقدم معه أيضا طريقة عملية للوصول إلى هذا الصدق : أن تلازم أوصافك.
ثم يوضح سيدى أبو الحسن الشاذلى شيئا من أسرار هذه العبارة الجامعة فيقول : " فلا تنتقل عنها (يعنى عن صفاتك) إلى ما ليس لك (من صفات الألوهية) فتكون من الخائبين بقلب الحقائق "، وما بين الأقواس زيادة توضيحية منا .
إذن الصدق وبمنتهى البساطة والعمق والسهولة والصعوبة جميعا معا : أن تلازم يا عبد أوصافك من الفقر إليه تعالى ، والحاجة ، والضعف ، والعجز ، والذلة ، والخضوع له تعالى ، والخشوع، وترك الكبر ، والغرور ، والعجب ، والخيلاء ... إلخ.
الصدق أن تلازم أوصافك يا عبد يا فقير يا عاجز يا مسكين.
ومتى وجدت نفسك قد فارقت أوصافك فاعلم أنك قد فارقت الصدق.
ولكن على بساطة وعمق هذه العبارة ، وسهولتها فى المنطق ، وكونها تقدم مفتاحا عمليا سلوكيا، ورياضة روحية واضحة، إلا أنه عند التطبيق ستجدها تحتاج إلى همة عالية ، وإلى تفتيش دائم عن صفات النفس ومن هنا تأتى صعوبتها.
عليك إذن أن تسأل نفسك فى كل فعل وتصرف وتوجه: هل هو نابع عن صفة من صفات عبوديتك ومن حقيقة كونك عبد له تعالى ، أم نابع عن صفة تدعيها ليست لك، فعليك فورا أن تترك هذه الصفة ، وتترك دعواها وتتمحض عبدا لله تعالى .

الأربعاء، 14 يوليو، 2010

إذا اجتمعت أسباب الغرور:

3 شعبان 1431 هـ - 15/7/2010 :

العلم والمنصب والمال والجاه والقوة ، كلها جميعا من أسباب الغرور، وإذا اجتمعت لشخص فقد اجتمعت له أسباب الغرور، حتى لو كان العلم علما شرعيا ، والمنصب منصبا دينيا، فإذا لم يجد من اجتمعت لديه هذه الأسباب من التربية الروحية السلوكية الصوفية ما يقيه شر ما فى تلك الأسباب من غرور وكبر ، فقد أوتى أسباب هلاكه من حيث لا يدرى .
وللأسف فإنه قلما يسعى الإنسان إلى الحصول على التربية الصوفية، وقلما يقتنع أنه بحاجة إليها.
سيظن من أوتى علما أنه لا يحتاج إلى التربية ، وأن العلم كافيه، مع أن التصوف هو معرفة كيفية العمل بالعلم ، فهو أمر بعد العلم.
وسيظن من أوتى منصبا أنه ينبغى أن يبعد عن التصوف، الذى ربما دفعه للزهد فى المنصب، مع كون التربية الصوفية ستجعله أكثر نجاحا فى منصبه، وأكثر تفاعلا مع الناس من حوله، ستمنعه التربية الصوفية من الظلم ، ومن الكبر ، ومن التزاحم على الأمور الدنية ، وستجعله تلك التربية أكثر رفقا بمرؤوسيه ، وأكثر حبا لهم.
وسيظن من أوتى مالا أن آخر شىء يحتاجه للحفاظ على ماله هو التربية الصوفية، التى ستأمره قطعا بالخروج عن ماله، مع أن ذلك ليس بصحيح، بل ماله مع التصوف سيزكو ويكثر ويطهر ، ويكون ماله له فى الدنيا والآخرة وليس عليه ، سيعرف كيف يستعمله فى الخير وينميه فى الخير، وسيعرف كيف يكتسبه من الحلال وينفقه فى الحلال، ويسعد به نفسه ومن حوله سعادة حقيقية.
وكذلك الحال بالنسبة إلى القوة ، وإلى غيره من أسباب الدنيا مما لم نذكره.
ودون تربية روحية صحيحة سيتحول الإنسان مع ما يمتلكه من أسباب الغرور إلى وحش كاسر، وظالم، وكلما ينجو من ذلك.
وما يقال بالنسبة للأفراد يقال كذلك بالنسبة إلى المجتمعات والدول والحضارات، إن الروح المادية المحضة التى امتلكت الكل الآن هى التى تأخذنا بعيدا بعيدا عن حقيقة الإنسان، وتحوله شيئا فشيئا إلى حيوان أو شيطان.

الاثنين، 12 يوليو، 2010

نعوذ بالله من شر الغضب

1 شعبان 1431 هـ - 13/7/2010 :
- أيقظتنى فى منتصف الليل أصوات صراع محتدم بالشارع بطريقة رهيبة، كان الشارع عند صعودى أول الليل ينعم بليلة هانئة، فهناك فرح مقام ، وأصوات الموسيقى صاخبة، وأغانى الأفراح تصدح، ونمت مضطرا على أنغامها بدلا من صوت الشيخ مصطفى إسماعيل الذى أحب أن أنام وأنا أستمع إليه، ولكن فجأة تحولت الأنغام إلى صراخ وصراع وتلاحم بالأيدى ، ظننت أول الأمر أننى أحلم وأن أنغام الموسيقى الصاخبة تحولت فى الحلم إلى صراع وصراخ، ولكن ليس هذا بحلم بل حقيقة ، واضطررت للخروج إلى الشرفة لرؤية ما يحدث فقد كانت الأصوات مرتفعة إلى درجة مهولة ومرعبة، ومن فوق رأيت منظرا مؤسفا أقرب إلى الجنون، الكل يضرب فى الكل، النساء فى النساء والرجال فى الرجال، وهرج ومرج عجيبان، ودعوت الله ألا يراق دم فى وسط هذه المعمعة الرهيبة.
لا بد أن الجنون يطبق على الناس فى هذه اللحظات ، بحيث لا يمكن لصوت العقل أن يجد صدى أو أذن صاغية، نسأل الله أن يحفظنا من شر أنفسنا وشر الغضب.

نحن نذبح أوطاننا بأيدينا

1 شعبان 1431 هـ - 13/7/2010 :
- أتانى يمشى على خجل شاب لا أعرفه أثناء قيامى بركن السيارة فى الجراج ، يطلب بأدب جم وحياء بعض عدة الإصلاح لأن سيارته لا تريد أن تشتغل، يبدو من ملامحه أنه قبطى ، لم يكن فى الجراج غيرى ، وكان مضطرا لطلب المساعدة منى ، أعطيته ما طلب عن طيب خاطر وظل يعتذر عن تعطيلى، أغلقت سيارتى ، ورغم أننى كنت منهكا تماما بعد يوم عمل طويل أعقب نوما قصيرا بالأمس ، إلا أننى لم أجد بدا من مساعدته إذ لجأ إلى متذكرا الحديث النبوى الشريف "إن لك فى كل كبد رطبة لأجر"، وسرت خطوات يسيرة إليه وبالفعل وجدت الصليب معلقا فى المراية الداخلية بصالون السيارة، ومع هذا لم أتردد فى مساعدته طالما أنه استعان بى، وحاولت صادقا أن أساعده ، بعد أن فشل فى إدارة السيارة، وقلت له كلنا معرضون لمثل هذه المواقف ، وأحب أن أجد من يساعدنى وقتها، ولهذا لا بد أن أساعدك، وأخيرا استعنا ببعض الشباب من الطريق وقمت معهم بدفع السيارة له حتى دارت بحمد الله ، ولكنى أسفت من تردده وخجله منى، وتعامله بشىء من الحساسية معى ، وكأنه مضطر إلى طلب المساعدة من مسلم (يظهر ذلك من لباسى العربى ولحيتى) ، أسفت فى نفسى بشدة للوضع الذى وصلنا إليه، لم تكن الأوضاع إلى وقت قريب بهذه الطريقة، لم نكن نفكر قط عندما نتعامل مع أحد ما هل هو مسلم أو مسيحى، ولم نكن نتردد فى التعامل معه إذا عرفنا حقيقته، أم الآن فنسأل الله أن يلطف بهذا البلد وأهله، لكن بصدق أنا أجد كل من حولى من المسلمين والمسيحيين ينتقدون هذه الأوضاع ويعيبونها، ويحاولون أن يقفوا ضدها، فماذا يحدث إذن ، ومن المسئول عن تصعيد الأمور ودفعها إلى هذا الاتجاه ؟! لكننا لا نحاول محاولة جدية مواجهة الأمور وإيقاف انهيارها، ولهذا نحن كلنا مسئولون عن تردى الأوضاع بين أفراد الوطن الواحد إلى هذا الحد، نحن نذبح وطننا بأيدينا .

مات كما عاش عفيفا

1 شعبان 1431 هـ - 13/7/2010 :
- توفى ر ش يوم الجمعة قبل الماضية ، أحد أخواننا النقشبندية الرائعين ، رحمه الله تعالى، كان دمث الأخلاق، محبا لله ورسوله، مخلصا فى طريقه ، صادقا ، مسارعا فى الخيرات ، سليم الصدر ، طيب القلب ، كان يعانى من ضيق متعدد بشرايين القلب، سعى كثيرا فى استصدار قرار بعمل عملية للقلب المفتوح على نفقة الدولة فلم يفلح، اتجه إلى بعض الجمعيات الأهلية الكبرى لمحاولة عمل العملية على نفقتها، إجراءات روتينية ، وتراخى ، وإهمال ، أدركته رحمة الله ، حين عجزت رحمة البشر عن أن تسعف مثله، كان خجولا حييا ، عفيفا، أنا الذى اقترحت عليه فكرة اللجوء إلى تلك الجمعية ، وسعيت له لدى بعض المعارف بتلك الجمعية ، ولكنه كان عفيفا يستحى أن يسأل الناس شيئا ، ومات عفيفا كما أحب أن يعيش عفيفا، وظل كذلك حتى وفاته، حضر جلسة الذكر النقشبندية ليلة الجمعة ببيت مشايخنا (بيت الشيخ الكردى) ثم راح إلى بيته ونام، وقام قبيل الفجر توضأ استعدادا للصلاة ، وأدركته رحمة الله وهو متوجه إلى الصلاة، ما أحلاها من موتة أن تموت على ذكر وطاعة وأنت متوجه إلى الصلاة ، وصلوا عليه الجمعة بمسجد سيدنا الكردى ، ودفن إلى جوار أخوانه النقشبندية، أما أنا فاستيقظت متأخرا قبيل صلاة الجمعة فوجدت على هاتفى المحمول إفادة بأنه قد اتصل بى وأنا نائم، لم أبادر بالاتصال به، فقد كنت مستحييا منه حيث لم أستطع أن أفعل شيئا له بخصوص نفقات العملية عن طريق تلك الجمعية رغم المحاولات المضنية ، وقلت بعد صلاة الجمعة أكلمه وأعتذر له ، ثم انشغلت بعد الصلاة ببعض أمورى عن الاتصال به، حتى اتصل بى بعض أخواننا النقشبندية مساء وقال لى : فلان مات اليوم ... . فقلت : سبحان الله ، هذا الذى لم تسعه رحمة الناس وسعته رحمة الله وحفظته من أن يراق ماء وجهه من أجل طلب العلاج. وحتى الآن لم أعرف من الذى اتصل بى من هاتفه ، رحمة الله عليك يا أخى الفاضل.

نحو إعلان جديد لحقوق الإنسان

1 شعبان 1431 هـ - 13/7/2010 :
- يبدو أننا بحاجة إلى إعلان جديد لحقوق الإنسان ، يراعى التوازن بين الفرد والمجتمع والدولة والعادات والتقاليد والحضارات المتنوعة.
الإعلان الحالى به عيوب خطيرة جدا، ولا يحقق التوازن الإنسانى المنشود.
لفترة ليست بالقصيرة كنت معنيا بأخبار الإقليات فى العالم الإسلامى ، كالأقليات الشيعية فى البلاد السنية ، والأقليات السنية فى البلاد الشيعية. والقلاقل والاضطرابات الاجتماعية الناتجة عن عدم أخذ هذه الأقليات حقوقها. وقد كتبت فى بعض أطراف هذا الموضوع مقال (تناقضات حقوق الإنسان وضرورات الأمن القومى).
لكن ما هى حقوق الأقليات ؟ وهل يمكن تطبيق إعلان حقوق الإنسان تطبيقيا حقيقيا فى هذا الشأن دون أن يؤدى إلى خراب ومشاكل أوسع وأشمل للبلدان محل التطبيق ؟
هل يمكن للسعودية أن تعطى للأقلية الشيعية حقوقها مطلقا بما فيه حق تقرير المصير، وهى تنتشر فى مناطق النفط إنتاجا واحتياطيا .
وكذلك الوضع فى إيران ، هل يمكن لإيران أن تعطى للأقلية السنية حقوقها مطلقا، خاصة عرب الأحواز (الأهواز – عربستان) ، والتى كانت إمارة عربية مستقلة تماما حتى تواطأ الاستعمار الإنجليزى مع حكام فارس وغدروا بأمير الأهواز العربى وتركوا فارس تحتل إمارة الأهواز وإلى اليوم، والتى تنتج مناطقهم 80 % من نفط إيران ، وتحتوى على أكبر احتياطى نفطى بعد السعودية. (راجع رابط مهمة فى هذا الشأن فى صفحة التالية: ناصروا أهل السنة فى إيران)
إنها من المفارقات أن يكون الوضع هكذا فى السعودية الدولة السنية ، وفى إيران الدولة الشيعية ، أن أهم مناطق النفط فى كلاهما هى مناطق أقليات. إذن لا يمكن سياسيا ولا اقتصاديا ولا قوميا أن تستقل هذه المناطق أو تنال حقوقها كاملة. ستضطر الأنظمة الحاكمة للتضحية بحقوق تلك الأقليات حفاظا على الموارد الاقتصادية والأمن القومى للبلد ككل ، سيبدو الأمر هكذا، ولا عزاء للأقليات.
ولكن هل تظل القلاقل فيها إلى ما لا نهاية ؟
نحن بحاجة إلى صياغة جديدة لحقوق الإنسان ، إعلان حقيقى ومتوازن صالح للتطبيق، دون أن يخل بالتوازنات المجتمعية والإقليمية والقومية للبلدان، وبما يحقق أيضا مصالح الأقليات وحقها فى العيش حياة كريمة وحرة.
إعلان حقيقى يوازن بين حقوق الفرد وحقوق المجتمع وحقوق الدولة ، ويحل التناقضات التى بينها فى توازن وتكامل وتناغم، بحيث يتحقق الاستقرار.
لا يمكن فى ظل إعلان حقوق يدعم الفردية والأنانية والشخصانية على حساب المجتمع والدولة ، إعلان يغفل أو يتغافل عن الخصائص والمميزات للحضارات والثقافات الإنسانية المختلفة ، ويريد أن يحمل الحضارات كلها على مفاهيم حضارة واحدة ، لا يمكن لمثل هذا الإعلان أن يحقق الاستقرار والسلام فى العالم.